Viernes, 24 Noviembre 2017

أصداء التكريم في الصحافة


جريدة الاتحاد الاشتراكي - العدد:  6119 / الجمعة 12 ماي 2000 :  اتحاد كتاب، وبيت الشعر بالمغرب، ينظمان بالرباط حفلا تكريميا للناقد والباحث نجيب العوفي

خصصت الجريدة لهذا الحدث ملفا خاصا، في صفحة كاملة، نقلت فيها شهادات المتدخلين: أحمد جواد - ربيعة ريحان - عبدالعزيز أزغاي - محمد الهرادي - تعقيب المحتفى به نجيب العوفي

جريدة الميثاق الوطني - الملحق الثقافي - العدد: 7359 - الأحد والإثنين، 7-8 ماي 2000

 

        مـجـلـة الأنـبـاء   العدد الثالث، الإثنين فاتح ماي 2000

 

 

أحمد جواد، مسؤول النادي ومنشط الحفل: الناقد النجيب

لم أتعرف على شخصية الناقد و الباحث الأستاذ نجيب العوفي. ألا عندما التحق للاشتغال بمؤسسة مسرح محمد الخامس و بالضبط تنشيط هذا النادي "نادي" الأسرة" الذي أصبح قبلة للمثقفين و الأدباء و الفنانين للتلاقي مع بعضهم البعض أو مع جمهورهم مباشرة.

بحيث كنا دائما كما تعلمون نحتفي بالمبدعين من خلال إبداعاتهم في حفلات للتوقيع أو من خلال مسامرات أدبية و أمسيات شعرية و فنية و لقاءات مفتوحة. و كان  الأستاذ نجيب العوفي. دائما يلبي دعوتنا لقراءة بعض الأعمال الإبداعية أو تقديم شهادات في حق المبدعين. ليس له شروط مسبق سوى أن يكون العمل الابداعي يتوفر  على شروط الإبداع والفن سواء كان شعرا أو نثرا.

ولداعي أن نذكر هنا لعدد المرات التي حضر معنا الأستاذ العوفي.

ونذكر أنه كتب لنا يوما بالدفتر الذهبي لهذا النادي يقول "نادي الأسرة الجميل، اسم على مسمى، فهو ناد نشط ودائب، يجمع الأسرة الأدبية والفنية، وتبادل الأفكار والمشاعر. أحيي النادي، وأحيي المشرفين عليه وأتمنى له مزيدا من التقدم والنشاط".

عندما خط الأستاذ العوفي هذه الكلمة الجميلة لم يكن يدرك على أن هذا النادي سيكون سباقا للإحتفاء به وتكريمه والمناسبة كما نعلم هي اليوم العالمي للكتاب أو عيد الكتاب.

ونحن نكرم اليوم هذا الناقد النجيب الذي وكب الإبداع المغربي و العربي ما يناهز ثلاثة عقود من الزمن، و نحتفي بالكاتب نفسه بدل الكتاب و كن نسينا هذا التقليد السنة الفارطة عندما احتفينا بالروائي و القاص الأستاذ محمد عزالدين التازي تحت شعار "الاحتفاء بكاتب" لكن أن يكون الاحتفاء هذه السنة بناقد، فهذا لم يعده مشهدنا الثقافي لأن العادة جرت دائما المحتفى به كاتبا شاعرا كان او قاصا او رائبا.. ونعلم كما يعلم الجميع أن الأستاذ نجيب العوفي ساهم وشارك في عدة حفلات لتكريم الكتاب والمبدعين فيهم من قضى نحبه رحمه الله.

وفيهم لا يزال حاضرا معنا مبدعا، أطال الله في عمرهم، ولا بد أن نذكر هنا أن هذا التكريم ما كان ليكون ويتحقق لولا مساعدة صديقنا رئيس اتحاد كتاب المغرب الشاعر حسن نجمي، لأنه كما يعلم الجميع الأستاذ العوفي يتهرب من أن يكون مكرما ومحتفى به وأذكر ونحن بمكتب جريدة الإتحاد الإشتراكي أن حسن نجمي قال للأستاذ العوفي بالحرف أنه ليس تكريما ولكن فقط مجرد تحية.

فشكر الشاعر حسن نجمي، ومعروف عن الأستاذ نجيب تواضعه وخجله، لكنه يمتاز في كتاباته النقدية ومتابعاته الأدبية بالدقة. ولا يحب التلميح فقط أو التستر وراء الكلمات ولا يجامل أحدا.

ونسجل كذلك أن كتابته النقدية كثيرا ما تحبب للقارئ العمل الأدبي والإبداعي. وحتى لا أطيل عليكم، معنا هنا مجموعة من المبدعين الذين سيقدمون بهذه المناسبة شهادات في حق زميلهم وصديقهم الأستاذ العوفي الذي نهنئه بهذا التكريم ونشكر المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب. بيت الشعر بالمغرب، الشاعرة مالكة العاصمي القاصة ربيعة ريحان، الروائي محمد الهرادي الذي نتمنى له الشفاء العاجل، الناقد سعيد يقطين، والشاعر عبد العزيز أزغاي وكما تلاحظون فإننا تعمدنا أن تحضر جميع الأجناس الأدبية. وأن يحضر باسم الجيل الجديد الشاعر ازغاي فمرحبا لكل من حضر لهذا الحفل التكريمي للأستاذ نجيب العوفي.

وهو من مواليد سنة 1948 بمدينة مليلية المحتلة ببني وليشك إقليم الناظور.

ابتدأ مساره الأدبي بمدينة تطوان أوائل الستينات بكتابة القصة القصيرة.

نشر حوالي 20 قصة قصيرة

ومع أوائل التسعينات، اتجه إلى الكتابة النقدية. وتوزعت كتاباته وقراءاته بين الشعر والقصة و الرواية.

شارك في عدة ملتقيات داخل المغرب وخارجه.

أستاذ بكلية الأداب والعلوم الانسانية بالرباط-شعبة اللغة و أدابها.

صدرت له الأعمال التالية:

- درجة الوعي في الكتابة 1980-جدل القراء 1983

- مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية، من التأسيس إلى التجنيس 1978

- ظواهر نصية 1992- مساطة الحداثة 1996

- عوالم سردية متخيل القصة و الرواية بين المغرب و المشرق 2000.

 

 

ربيعة ريحان: دفء المؤازرة وعنفوان التبني

قد لا أملك الحق في أن أدعي الصداقة بالعزيز الأستاذ نجيب العوفي، إذا كان للصداقة مدارج، وإمعان في الوقت والمسافات. 

وثانيا، ولأنني أنثى، تقفز الحواجز للتحدي، في سياق هو من وعنا، لتذكرنا بخيبتنا، في أن نسبح بتلك الروح العالية، لذاذة روابط إنسانية تعمق الجواب عن لسؤال الأكثر حرجا والتباسا.

هل يمكن أن تقوم صداقة بين امرأة ورجل؟ مجرد صداقة!

ولأنني بشيء من هذا الحس المكابر، أطمح في العبث بمنطق مضاد، حضور مضاد، وتواطؤ يقلب حماقات المحتمل إلى إغراء المستحيل.

قليل هم الأشخاص الذين يستدرجوننا إلى متعة الاعتزاز بهم... وهؤلاء إذا حصل بيننا وبينهم هذا التواطؤ، يكون ذلك أول خطوة تستنفر الجراءة لاختزال التحفظ.

والأستاذ العزيز نجيب العوفي، الذي أرى أنه بحكم منطقي، صديقا لي، له هذا الامتياز... فقد حاز على هذا التواطؤ، واستدرجني بحضوره ولباقته، وحذق الطيبة في تصرفه، بتلك الدماثة الفائضة عن الحد، وذلك التواضع المرهف، المقنع في زعمه، والمدهش في ترفه.

لهذه الأسباب، ولغيرها بالتأكيد، مما يحمل الروح، ويخلق تلك الهالات من رجولة شامخة، وامتلاء بالنفس، وحدب كبير نحتضن به الآخرين.. وبدفء المؤازرة وعنفوان التبني، عرغت الأستاذ نجيب العوفي ذات مساء.

كنت قادمة إلى جلسة بنادي الأسرة احتفاء بإصداري، وكان نجيب العوفي أستاذ هذه الجلسة، بالقراءة الحاضنة لهذا الإصدار.

وفي المدخل بالخارج، تحت ظلال الشجر بالشارع، كان لي معه أول سلام وأول كلام، في شموخ اللحظة، التي كنت أرتقبها على منصة اللقاء.

أذكر.. كان الارتباك واضحا.. فبيننا معرفة بالصورة وبالكتابة الموزعة على الصفحات، وبين الصورة والواقع تعثر قد يقود إلى الالتباس.

كنت أول من سلم.. عرفت الأستاذ، وعرفت إلى جنبه صديقه الدخيسي.. وأنا أسلم، كان الأستاذ نجيب العوفي من قوة الاستحضار والاستدراك ما جعلني أجانب نفسي حرج التقديم الذي أكره.

كان ذلك بتاريخ غير بعيد.

وكانت لا تزال بيننا ساعة زمن كي تنطلق الأشغال...

اعتذر الأستاذ نجيب العوفي بسماحته وذهب إلى المقهى... وبقيت مع بعض الصحب في الانتظار.

ذلك أول لقاء سعدت به، وسعد كذلك بالجهد الطيب، وتلك الالتفاتة النبيلة، لعمل لي، كنت ولا أزال، أراه مرتبكا ومربكا في الآن.

مساؤها، أدركت أيضا حجم الفرح السري، الذي يشد تالأستاذ نجيب العوفي إلى شغب القصة وشاعريته، ولتلك التفاصيل الثرية الكامنة، والتي تضعنا أمام أكثر من اختيار، وأمام أبعد من اختيار.

كانت قراء الأستاذ العوفي بمضامينها وبلغتها مدعاة لأن تصل بي مشاعري لأحر من الغبطة، وأزهى من الإزهاء.. وإذا كانت "ظلال وخلجان" قد أمتعت الأستاذ وجعلته يراهن على الأجمل المقبل، فقد سكنني الرهان حد المغامرة، من غير أن يدفعني إلى أن أقامر..

جميل أن تنبني الصداقات في حضرة الإبداع، وأن ينبني الإعجاب من ألق الحرف المكابر، من صيغته المثلى، ومن التييات جنونه.. والأجمل أن يكون ذلك اللقاء الذي حدث بنادي الأسرة، في التاريخ إياه، قد اختصر ألف باب للصدفة، للآتي اللامعلوم، للقاء إبداعي نقدي، كان سيحصل أو لا يحصل بيني وبين أستاذي نجيب العوفي...

لم أتقاسم مع الأستاذ نجيب العوفي فيما بعد أفراح الحديث عن كتب ما، أو إبداعات ما، ولا نبشنا معا مناجم الذاكرة عن لحظات عشق مشتركة، أو انبهار مشترك بعمل أصابنا بالدوار.

وفي اللقاءات القليلة المتاحة، التي جمعتنا في ندوة هنا أو هناك، كان ضغط الوقت أكبر من أن نغافله، لنحتفي بالهامش الجميل الذي هو الأبهى والأكثر حميمية في هذه الندوات.

لكنني أستطيع القول، فمن كلمة طيبة، من رأي متواضع، من لفتة نزيهة، من اعتراف شجاع، من انطباع ذكي... مثل كل ذلك لدي صورة قريبة من شخص الأستاذ نجيب العوفي، من محيطه ومن معارفه، من هؤلاء الذين يتقاسمون معي مشاعر الود نحوه، وأحاسيس الإكبار..

فباسمهم وباسمي، أقدر روح هذا الاحتفاء الليلة بالأستاذ، وروح هذه الجلسة التي أعطتني حق أن أحكي له وعنه، باسم ما عودتنا عليه دعوات من هذا القبيل، للحديث عن وجه يحتفى به... فنكون ببساطة الأقرب إلى دوائره، والألصق بوجدانه.

وفي الاختلاف الشكلي بالنسبة لي، إتاحة لي كي أناوش بشيء مفرط من الود، بما أسلفت عن الصداقة، وهذه المرة ليست بين رجل وامرأة، ولكن بين إبداع وإبداع، بين كتابة وكتابة.

لها، ولما أعطى الأستاذ، مما عرفني إليه منذ زمن، وما قرأت له... ولمسنا هماته الثرية في المجالين الإبداعي والنقدي، أقدم الليلة، تحايا الإجلال والتكريم، وإغراءات ما تعدنا به أيام قادمة حالمة جميلة، من العطاء الأدبي الوافر.

 

 

عبدالعزيز أزغاي: المواطن نجيب العوفي لمن لا يعرفه

لست ادري، كم مرة دعيت للإدلاء بشهادة في حق كاتب أو شاعر أو باحث مغربي، و أعتذرت عن القيام بذلك أو تظاهرت بالإنشغال، ليست لله، قد يتسابق فيها الكذب أكثر من غيره نحو تشيد صورة للمعني بالشهادة، كلما كان لدي إحساس مسبق بتلك المسافة القاهرة، التي تجعل كل منافذ الصدق تقبع في مكان آخر لا يصله بالكلمات الباردة و النعوت الجوفاء و الصفات المفترى عليها، مهما كانت المحاولة و مهما كان الاجهاد. من هنا، و في مثل هذه الحالات، كنت دائما أترك أجر الاجتهاد، سواء كان صائبا أو مخطئا، لغيري ممن يستطيع، طمعا في الحسنتين أو احداهما على الأقل، تدبيح طريق سيار من الكلمات التي لا تنقصها أجنحة.

لكن، و في المقابل، اتذكر جيدا مشاركاتي القليلة في مثل هذه اللقاءات و التي، بالمناسبة، تكاد لا تحطم رقم أصابع اليد الواحدة. و في حالة التي كان يحدث فيها هذا الأمر الجلل، كنت أحسن برغبة كبيرة وجامحة في الجلوس أمام جمهور هذه القاعة أو غيرها للحديث، بغير قليل من الهزل الأبيض، حتى لا أقول الجدية السوداء، عن تلك التقاطعات، التي لا تخضع إلى تصنيفات جائزة أو إلى مساطر محنطة، التي يمكنها أن تجمع بين كاتب نال حظه من الشهرة و الحضور و بين آخر مازال يتهجى قدميه و هو يحبو فوق أرض المعنى التي لا تخلو من انزلاقات كما لا ينقصها السراب الخادع إنها تلك الحالات القليلة التي تعفيك من استظهار محفوظاتك من الشعر الجاهلي و بحور عمنا الخليل بن أحمد، أو من عناوين الرواية أو القصة الطويلة و المتوسطة و ما إلى ذلك من مسافات أو النظريات النقدية و آخر تقليعات عرابها من أقصى الغرب إلى أقصاه إلى آخر العضلات الاستظهارية التي قد لا تضع مبدعا عركته الحياة و نالت منه "سيدة" العطالة و جرب الفراغ.

و الأستاذ الباحث و الناقد الأدبي نجيب العوفي واحد من هذه السلالة الأدبية، الطيبة الذكر، التي تمنحك كل الطمأنينة، التي تقتضيها نعمة الإنصات، و أنت تشاركه خبزه و ماءه المعلومين، رغم ما قد تضفيه عليه صرامته الواضحة في إبداء الرأي، مهما كان جرحا، و رغم ما قد تعطيك نظرته الثاقبة، الصارمة و المتجهمة أحينا من طباع بكونه إنطوائيا، صموتا ناريا لا ينقصه إلا الرصاص. رغم كل ذلك، و لمن لا يعرفه، فالماثل أمامكم، و قياسا السنوات الخمس الآخيرة التي عرفته خلالها عن قرب، هو على العكس أنذلك تماما. غالبا ما ينزع عنه قميص الأستاذ و الناقد الأدبي و صاحب معجم الخافر المطرز بدقة متناهية، و أنت تجالسه في أمكنته المفضلة بالعاصمة تلك الأماكن التي تنتشر فيها الخضرة و يجري فيها الماء و لا تغطيها أسقاف، مهما علاها من مجاز، قد تحول، في أوقات معلومة دون تعقب فرشات المعنى و جموح الخيال.

يحدث أحيانا، في غمرة إنتشائه وصفاء ذهن أن يسألك عن أشياء قد تبدو غاية في الوضوح حتى لا أقول البدهية و البساطة، كأنما طفولته اليقظة تفضحه، تلك الطفولة التي يحاول بكثير من الصرامة البيضاء أن يدارها خلف نظارتيه، لكن إنشراح الخطير عادة ما يهزمه.

ربما ذكرني ذلك، في هذه اللحظة بالذات الشاعر العربي الكبير  سركون بولص حين يبدي استغرابه و انشداده من و إلى أشياء، يعبرها كثير من صباح مساء، دون أن تثير فينا تلك الدهشة المقتضة من البراءة الرؤية  معا. أي ما إحساس بالاكتشاف و الجدة. و كم كان الشاعر الصديق حسن نجمي على الخط حينما قال لي مرة و نحن نثير هذا الموضوع نفسه: "إن هذا الإحساس الطفولي لدى بولص هو يجعله يتفرد على غيره من الشاعراء بوضع اليد و العين على أشياء قد تبدو للسابلة خلو من أي حسن شاعر يصلح موضوعه للكتابة الشعرية". و أي شعر؟ إنه ذالك الذي يؤسس و بصعوبة أكبر لبقائنا القادم في حدائق العالم و براءته الأول.

بهذا المعني تقريبا، أرى الاستاذ الصديق نجيب العوفي، و هو ماش، و هو جالس، و هو مستفسر، و هو صامت، منفعل. حتى لماني اتصوره، في كل هذه الأوضاع، التي تخصه رأسا، بغير قليل من الحرص و الهدوء الخلاق.

قبل أيام فقط، أطلعته، حرصا على نعمة التلمذة و الانصات، على آخر ما كتبت، و كان نصا شعريا ينحو منحا الاسترسال في الكشف عن احساستنا الصغيرة و المرهفة بكل ما يحيط بنا من أشياء، تلك الأشياء التي تكون أقرب إلينا، في العادة، من أطرافنا المنشغلة بالأقصى دائما. و بالصراحة التي حببته إلينا قبل كل شيء. و انسجاما مع رؤيته الخاصة للشعر، اعتبر المقروء على مسمعه كتابة اخرى جديدة قد لا تكون الشعر، كما هو متعارف عليه. و دون الوقوف طويلا عند التفاصيل، انتقلنا إلى كلام آخر.

إنه الرجل نفسه. صراحته الصادمة دائما على طرف لسانه. مهما كانت طبيعة العلاقة التي تجمعك به أو تجمعه بك. لكننا في مساءات كثيرة، نجلس من جديد. كلنا يحكي نكاته الجديدة. و نقهقة من القلب. كانما طفولاتنا النائية هي كل ما يجمع بيننا.

 

 

محمد الهرادي: نجيب العوفي: مسافة بين الظل و الضوء

الشعر و القطة:

"دفقة من حنان" هو عنوان نص قصيصي قصير كتبه نجيب العوفي أوائل العقد السبعيني، و مع أن هذا النص المنسي، مثل غيره من النصوص الأولى التي يرفض كتابها، في الغاب، استعادة ملكيتها، ما دامت صعبة الاندماج في المشروع الأدبي للكاتب الآخذ في التناسخ باستمرار، و مادامت مكتفية ببراءتها، وخفتها، فإن نص العوفي المشار إليه، وقد أصبح اليوم مجرد "تمرين" على اتخاذ قرار لم تحثث ابداء أهدافه، يكشف لنا اليوم، ليس فقط عن الكيفية التي تنجس بها المتابة تم تصمت و لكن أيضا و على الأخص عن علاقة الكلمات بمعانيها، و عن سلسلة العمليات التي تبتدئ بالتصويب مغمضة العينين نحو أهداف مزدوجة، أو متعددة قبل أن تتبلور في اختيار أدبي له دوي الطلقة...

"الليل رائع باحبيبتي.. لو كنت شاعرا لأنشدتك فيه قصيدة الآن..

"ازدادت مني اقترابا فألغت خط الفراغ الذي يفصل بيننا، و تشبيثت بذراعي العارية بكلتا يديها.. قطة خائفة وجلة عدا عليها القر، فلاذت بحجر دافئ أمين.. و تهالكت برأسها على صدري.. و تناهى إلى صوتها، نغما متعبا شفيفا يحمل في تجاويفه مسة كهربائية"

هذا الاستهلال الرومنتيكي "الغض" لا يفسر نفسه فقط، و لكنه أيضا يقترح مجموعة من الأسئلة الصغيرة التي قد تخترق سيرة الكاتب الأدبية:

 كيف ينسجم الليل و الحب و الإنشاد الشعر؟

هل الحبيبة هي القصيدة و العاشق غير مرئي هو الكاتب الباحث عن انسجام الكلمات و جمالها؟

كيف عبر الكاتب، دون أن نلمحه، من لحظة حب، إلى لحظة شعر وجعل من هذا العبور مجازا نحو "رسالة"؟

هل الشعر هو "القطة" الخائفة الوجلة التي عدا عليها القر فلاذت بحجر دافئ أمين؟

أهم حجز نجيب العوفي فعلا؟

 لم صوت "القطة" شبيهة بنغم متعب شفيف يحمل في تجويفه مسة كهربية؟

 و في نهاي، من الممسوس و من مسه كهرباء الشعر؟

و بكلمة واحدة، ما هو الموضوع الذي أراد أن يكتب عنه نجيب العوفي، و نريد أن نعرفه اليوم: عن القطة 'كنتية عن المرأة" أم عن الشعر "ذي النغم المتعب الشفيف الذي يحمل في تجويفه مسة كهربية"؟ لكن عندما لا نعرف الإجابة، يبقى علينا أن نقرر كيف نقرأ مثل هذه النصوص الاستهلالية اليوم، مع أن الجواب الممكن هو أن غالب ما يمكن الاختيار أن المعنيان اختيار واحد، دون أن يعني ذلك أن أحدهما يسبق الآخر، أو يلغيه...

فعلا، انتقل العوفي إلى"الشعر" بواسطة النثر و عن طريقه دون أن يفقد احدهما جراء هذا الإنتقال، و كادام قد تكشف له هذا الكتن الشعري المغربي و "رأي" نفسه فيه، فإنه قد نظر إليه كمشروع ثانوي، و هذا يعود في الأصل إلى أن العوفي تبنى اختبار أسلوبيا   فريدا ينظر إلى "اللحظة اللفظية" كمعطى مطلق، يجعل كلماته ذاتها، (الكلمات الناقدة، مكتوبة أو شفوية) مثل نسيم يخترق سطوح و بواطن القصيدة، و هي كلمات نقد، تبعا لذلك، تطاول القصيدة و تتأملها، دون أن تؤديها، لأن القصيدة في هذه الحالة أصبحت قصيدة الناقد الذي "وجد" نفسه فيها و "رآها". من هنا نلاحظ أن نقد العوفي، في بداياته، كان يتجه صوبا نحو بناء نص مواز للقصيدة فيما هو يقوم بدور القارئ الذي ينجز مهمة التفكيك، و الهدم و النحت، وصوغ الرؤى، و إعادة البناء، و هي العملية المعقدة التي لا تروم فقط كشف النص و اكتشافه، بل تسعى إلى امتلاكه عن طريق خلق جديد، و إلى تأكيد "جوهر" للنقد مهمته ترويض النصوص المحبوبة المعشوقة، "جوهر" يحبط في النهاية بشكل أو بآخر كل المخططات التي تتطلبها المناهج و المساطر الباحثة عن موضوعية صلبة، ترتدي في الغالب زي تلك اللغة المدرسية الباردة، المجدبة..رغم وضيفتها النوعية.

أليس صحيحا إذن أن قطة الشعر لا تستطيع أن تهر و تموء و تتمطى إلا في حجر دافيء؟

الشاعر و العربة:

كان العوفي أواسط السبعينيات قد أصبح هو الآخر أسير نظرة إلى العالم يمتزج فيها الأمل بالمررة، و لم يكن في حاجة إلى قراءة تروتكسي و غرامشي و لوكاش و غولدمان و غيرهم ليكتشف عبر المسار الفكري الذي اختطه لنفسه شاعرا من حجم أحمد المجاطي، الذي بدا وقتها شبيها بسائق قطار من قطارات الليل، يجر خلفه عربات ينبئ جوها الداخلي عن "قرب حدوث العاصفة". و لم يكن هذا القطار الذي بدا أنه يعبر المطهر يسير نحو نهايته المحتومة لأن المصائر التي صنعتها الانعطافات القاسية للبلاد و الأحلام المشروخة للمثقفين، قد أدت السقوط كان هو نفسه دليل حيوية التعبير

الأدبي و قوته، و لذلك حين أتى العوفي إلى الرباط أوائل السبعينيات قادما من ظهر المهراس بفاس عبر خريبكة، وجد إسمه يسبقه، بكل ما لهذا الاسم من كثافة و من نوازع متضاربة، و حين جلس في مقهى (لابي) ذات مساء يحسو كأس المارتيني المعتاد ليفتتح به شهيته الضنينة على الكلام، التقت ورأى أحمد المجاطي مع الجماعة.

لم يكن نجيب يحب الوقوف متكأ بمرفقه على الكونطوار، لكنه نهض وسلم على الأستاذ دون أن تسعفه كلمة، مع أن المجاطي الذي حلل وجه هذا الشاب الغريب غرابة شرابه في رمشة عين، كان قد سكب عليه ابتسامة مضيئة نادرة لا يمنحها لأي شخص. و عاد العوفي حاملا تلك الهدية إلى طاولته وحمل كأس. حين توغل الليل عميقا وانضم إلى الجماعة مثل رجل مسرنم، تحركه الدهشة و الإثارة الغامضة،  و يغيب فيحضر الشعر، مفتتحا بذلك علاقة مترددة بين الممكن و المحال، ولكن..

دخل نجيب العوفي "العربة" دون أن يعترض يوما على سلطة سائقها المجاطي الذي طلب منه ذات يوم أن يكتب قصائد "الخمارة" بخط يده الجميل، إلى أن توقفت الرحلة بموت الشاعر، في الوقت الذي كان فيه العوفي،  من يوم لآخر، يراقب ذلك "الوجه المنذر بالسفر نحو الأبد". و هو يداري ذلك الألم الصامت بصمت آخر، أشد وطأة.

غبار وأجنحة:

هكذا جاء نجيب إلى الساحة الثقافية عاديا، و غير مسنود، كما هو الأمر بالنسبة لآخرين، إلا من علمه و موهبته البعيدة عن لآخرين، إلا من علمه و موهبته البعيدة عن أي تصنع، لقد حقق ميوله و سماها، و انتسبت شخصيته التي تحولت بدورها، شيئا فشيئا، إلى موضوع أدبي، إلى الأفق الذي فتحه رجال أخرون أسسو البيت الأدبي الحديث بالمغرب... و منذ البداية كتب عن نفسه يقول: "إن النقد بالنسبة لي لا يزال حلما أو مشروعا أنظر إليه و اتعامل معه بكثير من الوجل منه و كثير من الاشفاق على نفسي..." ذلك على الرغم من أن "المكتبة لماركسية. اللبنية (كانت و قتذاك، أي طوال العقد السبعيني) مرتعا خصبا لالتقاط معظم المفاتيح )..)و استحصال معظم المعارف"، و حين اندمج نجيب في السجال الثقافي لتلكة المرحلة، بعد أن تجاوز تلك المخاوف التي تحول السجلات الفكرية إلى مجرد عملية احتماء بالدوغمائيات، اكتشف قراؤه قدرة فائقة على تذويب النظرية في السياق الحي لحركة المجتمع خلال دفاعه المبكر عن "المنهج الجدلي" و مازال أصدقاؤه يتذكرون عبارته المنحوثة التي تقول "إن الطرق قد تتعدد لكن روما .المنهج واحدة".

على أن مرافعته الشهيرة ضد بعض اطروحات بنيس الواردة في بيان الكتابة اكتسبت، كلما أمكن الرجوع إليها قوة النقلة التاريخية في مشروعه النقدي، و ذلك غداة السجال الذي صاحب الدعوة إلى "الحداثة" التي رأى نجيب أنه "تثبت الكتابة و تنفي التاريخ" لقد أعاد نجيب حسب تعبير هنير لوفيفر (...) "أكلة الحشرات القديمة بعد أن اتخذت لها جناحين و "شطت في البعد" أعدها "إلى جوف الأرض"، دون أن ينسى طرح سؤاله الجريء عن كيف يمكن قتل الخط المغربي واحياؤه في نفس الوقت، "في الوقت الذي تعيد فيه السلفية و معها الاجهزة الرسمية إنتاج هذا الخط باستمرار، محتفية و مركسة له بدعوى الأصالة و الخصوصية ظاهرا، و لأجل تمرير قيمها المتخلفة و الرثة باطنا".

لكن، كل تلك المعارك السبعينيات التي لم تكن دوما معارك وحشية، حاصرت بشكل ما، و فيما بعد، لغة نجيب العوفي نتيجة التحولات التي جرفت معها الديناصورات القديمة و لم تترك منها سوى عظام اثرية تدل عليها، لقد انعطف نجيب، بحركة خاطفة لكن هادئة، في اتجاه الفنون الأدبية الأخرى الصاعدة، و بالأساس نحو القصة القصيرة عائدا بذلك على عرينه القديم، حيث انتج أولى المحاولات القصصية المبكرة، القريبة بشكل مت من عالم سانجر، المهتم بالأسئلة الشابة.

حروف و كلمات:

لوجوه آل العوفي مضمون خاص، فهي وجوه مستديرة مدورة أشبه بحروف حلقية معرقة متشابهة حد التطابق، ولذلك فإن التعرف على الفروق الكامنة بينها عملية عسيرة لأنها تكاد تملك نفس المزايا، و لا شك أن الجد الذي نقل إلى أحفاده هذه الوسامة المحتوية على كنز من كفاية لغوية سليقة، و التي لم تقطعها مورثات غريبة، نقل أيضا تلك الشرارة التي أيقظت القلب من سباته التاريخي و هو برفقة المجاهد عبد الكريم الخطابي الذي كان قدره، هو الآخر، أن يقف ضد الغطرسة الاستعمارية، و رغم أن هذا الجد الملحمي تجاوز عمره القرن دون أن يصاب بذلك الذهول المنتظر، حيث تختلط الأزمنة و الأمكنة و الكلمات، فإن نجيب الوفي لأرومته في المظهر و المخبر، انتحى جانبا (و خرج من "الجنب") لصوغ علاقة آخرى بمحيطه، لا استجابة لرغبة ذاتية، و لكن في الأساس لربط صلة بالأدب تتجاوز نقد الشعر، لتتبنى مفهوما يجعل التغيير ضمن أولوياته.

لا يعني ذلك أن العوفي خرج من بطن الكتب القديمة واستسقى تجربته في الحياة منها، أو أنه تحول بدوره إلى ديناصور اثري في زمن العولمة و في زمن الدعوة إلى مجتمع المعرفة و التواصل، حيث لكل امرئ بورطابل رنان، العوفي، بعكس ذلك، يجد دوما ما يقوله في خضم كل هذه التحولات، ليس فقط لأن ما يقوله (و يكتبه) يجري بخفة على سطح و عمق الأشياء، أو  يخوض في موضوعاته ليخرج منها بعد ذلك متجردا من أي التزام نهائي، و إنما هو دوما يستطيع الكشف و هو يعمل أن الكشف هو تغيير، و إلا ما معنى أن نكون نقادا دون أن نكشف؟ و كيف نقصد التغيير دون أن نكشف؟ و كيف نقصد التغيير دون أن نكشف عن طريق الغضب و الفرح و السخط و الإعجاب و الامل و اليأس حقيقة أوهامنا و انتظاراتنا و أصداء كلماتنا؟

لكن نجيب، خارج هذا المجرى المتحرك لوظيفته النقد يبدو أشبه برجل ساكت رافض للكلام، لقد فهم منذ البداية أنه يخوض معركته بواسطة اللغة، ينحتها و يوطعها و يفتض صلابتها المعجمية كأنما الرجل يلج عالم المعاني متذرع بعدم قدرته على الكلام، و إذن ف "صمت" العوفي يجعل كل جملة نفس الوقت كل كلمة تنتظم في حرية مع أخرى لتشكل لحظه توقف بليغ، هي إحدى مواهب العوفي التي تجعل من كل لحظة صيحت لحظة من لحظات اللغة، و من كل كلمة ينطقها نوعا من إعجاز يبحث عن كماله..

و من بين العلامات السلوكية الدالة على ذلك أن العوفي. الشخص قليل الكلام، كأنما الرجل و هو يحيا حياته النهارية مجرد كائن يمر بيننا مرور الكرام، و رغم أنه من حين لآخر، خصوصا حين يشعشع الليل، يمرر ظاهر كفه على أسفل ذقنه ليقول لنا "أنا الشعب" "أنا الشعب" فإن هذه العبارة المباشرة و العنيفة لا تسمح مع ذلك، باختراق هذا الكائن البلوري المصقول المسمى نجيب، مع أنها تخضعنا تبعا لذلك، لجمالها الشفاف الهادئة التي لا يمكن الإحساس بها، و الكامنة في ضمير "أنا".

و لعل نجيب و هو يعبر الكهولة منحها بمتمهل، بدون تسرع نحو شيخوخته الشابة، يجد نفسه اليوم أكثر خفة من ذي قبل، و أشد هدوءا مما كان، فقد حكمت عليه الطريق التي سلكها كي يتحول إلى ياي يمنح بركتكته "للإخبار" و"الأشرار" من الشعراء الذين وجدوا أو ضيعوا طريقهم، يتم هذا دون تدمير خطوط السكة الحديدية للشعر التي كان يقود القاطرة فيها أحمد المجاطي و غيره، و دون إطفاء أنوار أو نفي و تعذيب و إعدام رهائن، و هذا يعني أن صورة نجيب العوفي التي تعرشت واستدرت حولها الهالة لا تفتقر اليوم إلى الحياة، و أن طريق هذا الكتاب اللوذعي لم تتجه نحو التاريخ الخاطئ، و أننا كنا سنفتقد جزاءا من "أناقتنا" الأدبية فيما لو لم يوجد تاريخنا الأدبي الحديث نموذجا فريدا شبيها بنجيب، الذي لم يمنحنا فقط كلماته العجيبة الماهرة،  بل متعة تحويل تلك الكلمات إلى طقس اللذة، و قدرة على ترسيخ تلك القيم النبيلة التي تشدنا إلى بعض، رغم تعدد الرؤى و التي هي اليوم مهددة داخلنا.

 

 

تعقيب المحتفى به، نجيب العوفي: مسار جيل

تحاشيا لكل تواضع كاذب، و توخيا للصراحة و الصدق مع الذات و مع الآخرين، أقول بكل بساطة و التلقائية أني سعيد جدا و ممتن جدا بهذا اللقاء التكريمي لشخصي المتواضع، في مساق اليوم التكريمي العالمي للكتاب.

وكيف لا أسعد و أمتن، ترى، و أنا محفوف هذا المساء بصفوة رائعة من إخوان الصفا و خلان الوفاء مبدعين و مبدعات من مختلف الأجيال و الأعمار، و في مختلف الحقول و الفنون، و من أعيرة نادرة و باهرة، محمد الهرادي، مالكة العاصمي، بشير القمري، ربيعة ريحان، عبد العزيز أزغاي، و أحمد جواد... أسماء جميلة و مانوسة عذبة في اللسان و ثقيلة في الميزان، لها حضورها و شذاها المتارج في حقلنا الثقافي و الأدبي.

وأن تجتمع هذه الصفوة من الخلان حول شخصي المتواضع، لغاية التحية و التكرمة، فتلك منه كبيرة تطوق عنقي و شرف كبير يغمرني غمرا، و يملأني أزدهاء وفخرا. و أنتم تعلمون أن الإنسان "نرجسي" و أناني بطبعه و سليقته، مهما تلفع و تموه باقنعة التواضع و نكران الذات و حامل القلم بلاشك، أكثر الناس نرجسية و تمركزا على الذات، و على غرار نظرائه من المبدعين و المنتجين الرمزيين.

لهذا، لا تستغرب مني هذه السعادة المعنوية التي تغمرني الليلة و أنتم تحلونني مكان الصدارة بينكم، ضيفا تكللونه بأكليل حفاوتكم و تغدقون عليه من سماحتكم و نبلكم، و ماذا يتبقى لنا ترى، أو ماذا يتبقى لي على الأقل، من هذه الدنيا الفانية اللاهية اللامبالية، غير هذه الشحنات الرمزية و البلاسم المعنوية التي تشد من أزرنا الروحي و تخفف عنا وعثاء الطريق و نصبه، و تشعرنا بأن هناك، في السر و العلن، و من يرانا و يسمعنا و ينتبه إلينا و يحب علينا، و أن ليس كلامنا و عذابنا صياحا في واد و نفخا في رماد.

واعترف، أنه أول لقاء تكريمي أحظى به على امتداد مساري الادبي الطويل الذي يذرف على أربهة عقود من الزمان، و أعترف أيضا، أن مثل هذا التكريم جاءني أكثر من مرة خلال السنوات القليلة الماضية، و من طرف دمعيات فاعلة و إخوة أعزاء، فكنت اعتذر و أوراوغ في كل مرة، معللا و مبررا اعتذاري بأن أوان هذا التكريم لم يحن بعد. و أن غيري ممن سبقني إلى العطاء الأدبي أو كان عطاؤه أجزل من عطائي، أولى و أخلق بهذا التكريم مني.

وكنت صادقا في شعوري، و لم أكن قط اصطنع تواضعا أو أضع قناعا.

لكن في هذه المرة، و في هذه المناسبة بالضبط لم أجد بدا من الامثتال للأمر، و الدخول حييا و ممتنا في أن الى سرادق التكريم.

ليس لي ما اضيفه أيها الإخوة الأعزاء إلى كلمات الأصدقاء الاصفياء، و ليس لي من تعليق أو تعقيب عليها.

ففي مثل هذه المناسبات، يصيح المرء سمعه إلى ما يقوله الآخرون فيه، ويرى ذاته مجلوة في مراياهم، بدل أن يراها في مرآته الخاصة، الخادعة المقعرة بلا شك.

إن تكريم كاتب ما ايها الإخوة، ليس مجرد تكريم احادي لشخصه و ذاته فحسب، بل هو تكريم و تحية لكل الكتاب و الأدباء من رفاق دربه و أبناء عشيرته، بل هو تكريم اساس للأدب و الكلمة بوجه عام، في زمن "عولمي" طاحن وسادر لم يعد يترك للأدب و الأدباء سوى فسحة صغيرة و هامشية. من هنا تستحق مبادرة التكريم، من آية جهة جاءت كل شكر و تقدير و امتننان و عرفان.

ولتاذونوا لي أيها الأعزاء، بكلمة ختامية ذاتية و سريعة، فأنا، و معذرة عن هذه الأنا، من جيل قديم-جديد و سريعة، ترتد جذوره و منابته إلى أواسط الستينيات، و هو الجيل الذي يصدق عليه وصف الفقيد محمد عزيز الحبابي، في روايته المعروفة (جيل الظما)، كما يصدق عليه في الآن ذاته وصف الروائي و المفكر مطاع صفدي في روايته المعروفة أيضا (جيل القدر)، الجيل الذي حلم كثيرا كثيرا، أحلاما كبيرة كبيرة،و عانى كثيرا كثيرا، من أجل قضايا كبيرة كبيرة، و طموحاته الأيام و تطاوحت بين يديه، فلم يجد في يده آخر المطتف، سوى قبض الريح. لكنه مع ذلك، يبقى الجيلال باسل "البوميثي" الذي أعطى من نفسه و عصبه فوق الطاقة، من أجل الثقافة و الأدب، و صالح المجتمع والوطن. و إلى هذا الجيل انتمي و أعتزي. و إلى هذا الجيل، يرموزه و طاقاته و طموحاته و إحباطاته، يعود الفضل في تشييد و ترسيخ المشروع الحداثي الإبداع و الفكري في المغرب، و وضع اللبنات الأول للخارطة الأدبية و الإنتاج الأدبي. و لا يمكن لي أن أتحدث عن نفسي بمعزل عن هذا الجيل.

فمساري الفكري و النفسي و العاطفي و الاستيهامي جزء لا يتجزأ من مسار هذا الجيل. و هو جيل و أن تقدم به العمر و بدأت رؤوسه تشتعل بالشيب خارجيا بعد أن اشتعلت بالشبوب داخليا، فهو ما يفتأ حاضرا في المشهد الأدبي مثابرا على العطاء و الإنتاج، متجددا و متفتحا مع الأيام. لا أريد أن استجركم إلى الحديث مرة أخرى عن شخصي و نفسي، فالحديث عن النفس ثقيل على النفوس، و حسبي الإشارة السريعة جدا إلى محطات ثلاث أساسية في حياتي الأدبية. محطة اكتشاف سحر اللغة العربية في سني الطفولة و خلال الدراسة الابتدائية و الثانوية بتطوان. محطة تجريب الكتابة و الاستسلام لغوايتها و محاولة اكتشاف الذات و المجتمع و لذة الخلق و الإبداع، و هي المحطة التي مارست خلالها كتابة القصة القصيرة من أواسط الستينات إلى أوائل السبعينيات، ووافقت هذه المحطة الدراسة الجامعية بفاس.

محطة الانتقال الإداري الطوعي من الكتابة القصصية إلى الكتابة النقدية مع طلائع السبعينيات، و هي المحطة التي مازلت مسافرا على سكتها إلى الآن، مع حنين يساورني بين الفنية و الآخرى، للعودة إلى النبع الحالم، نبع القصة والسرد، ذلك أن النقد على أهميته و حساسيته و جلال رسالته، لم يورثني شخصيا سوى النكد!

تلكم أيها الأعزاء، بضع خواطر و مشاعر بحت بها على رسلها و علاتها، بعد أن عزفت كلماتكم النبيلة على و تري و دغدغت أناي و نرجسيتس.

ومن كرمك و التفت إليك و احتفى بك، فقد احتل منك السويداء من القلي.

فشكرا جزيلا و جميلا لكم و لكل الحضور الكريم.

 


 

جريدة الميثاق الوطني (الملحق الثقافي)  - العدد: 7359 - الأحد والإثنين 7-8 ماي 2000

أول تكريم للناقد نجيب العوفي بنادي الأسرة - شهادات وذكريات

هذا هو العنوان الذي اختاره مراسل الجريدة، الطاهر الطويل، لتغطية حفل تكريم الكاتب نجيب العوفي، الذي نشر وقائعه في صفحة كاملة من الملحق الثقافي الأسبوعي للجريدة، وقد عزز مراسلته بعدة صور من الحفل.

 

 

أحمد جواد:تكريم ناقد

أشار المنشط أحمد جواد، مسؤول النادي، إلى أن الاحتفال بالناقد أمر لم يعهده مشهدنا الثقافي، لأن العادة جرت دائما أن يكون المحتفى به كاتبا، شاعرا كان أو قاصا أو روائيا، علما بأن العوفي ساهم في عدة حفلات لتكريم الكتاب و المبدعين. و قال أن المحتفى به يمتاز في كتاباته النقدية و متابعاته الأدبية بالدقة و لا يحب التلميح فقط أو التستر وراء الكلمات و لا يجامل أحدا. كما أن كتاباته النقدية كثيرا ما تحبب للقارئ العمل الادبي و الابداعي.

 

بشير القمري:جيل الحطب

أما بشير القمري فتحدث عن علاقته بنجيب العوفي التي تمتد قرابة سبع و عشرين سنة. و قال أنهما معا ينتميان إلى ما أسماه بجيل الحطب الذي عاش تاريخا معبأ بالشظايا و الغبار و الإحساس بالرخوة في هذا الوطن الجميل العصي الذي لا تحتمل محبته. و "نحن نرى- يقول بشير- بأم أعيننا جدارات تنبت هنا و هناك و تلغي أي حق في ممارسة الاختلاف، علنا نعيش زمنا آخر هروبا من التعايش المفتعل و من العدم".

 

 

محمد الهرادي: حديث السبعينيات

حملت مداخلة الهرادي عنوان "نجيب العوفي: مسافة بين الظل و الضوء". و تحتوي على خمس محطات:

- " الشعر و القصة"، و فيها تحدث الهرادي عن النص القصصي الذي كتبه العوفي أوائل العقد السبعيني بعنوان "رفقة من حنان"، و تساءل: من هو الموضوع الذي أراد أن يكتب عنه نجيب العوفي: أعن القطة (كناية عن المرأة) أم عن الشعر (ذي النغم المتعب الشفيف الذي يحمل في تجاويفه مسة كهربية)؟ و أضاف قوله: انتقل العوفي إلى "الشعر" بواسطة النثر و عن طريقه دون أن يفقد أحدهما جراء هذا الانتقال.

- "الشاعر و العربة"، في هذه المحطة تحدث الهرادي عن علاقة العوفي بالمجاطي الذي شبهه  "بسائق قطار من قطارات الليل، يجر خلفه عربات ينبئ جوها الداخلي عن قرب حدوث العاصفة"، ودخل العوفي "العربة" دون أن يعترض يوم أن يكتب قصائد "الخمارة" بخط يده الجميل، إلى أن توقفت الرحلة بموت الشاعر.

- "غبار و أجنحة": تطرق الهرادي  عن بعض المعارك السبعينية في المغرب وخاصة مرافعة العوفي الشهيرة ضد بعض أطروحات بنيس الواردة في "بيان الكتابة". و قال أن تلك المعارك حاصرت لغة نجيب العوفي نتيجة التحولات التي جرفت معها الديناصورات القديمة و لم تترك منها سوى عظام أثرية تدل عليها.

- "حروف و كلمات": خارج المجرى المتحرك لوظيفة النقد- يقول الهرادي- يبدو نجيب أشبه برجل ساكت رافض للكلام. بقد فهم منذ البداية أنه يخوض معركته اللغة، ينحتها و يطوعها و يفتض صلابتها المعجمية، كأنما الرجل يلج عالم المعاني، متذرعا بعدم قدرته على الكلام.

 

ربيعة ريحان: ذكرى لقاء

خصصت ربيعة ريحان شهاتها لأول لقاء مباشر لها بنجيب العوفي، خلال تقديم احد اصدراتها (ظلام و خلجان) بنادي الأسرة، مساءها ادركت حجم الفرح السري الذي يشد العوفي إلى شغب القص و شاعريته، و قالت: جميل أن تنبني الصدقات في حضرة الإبداع، و أن ينبني الإعجاب من ألق الحرف المكابر، و في صيغته المثلى، و من التياث جنونه.. و الأجمل أن يكون ذلك اللقاء الذي حدث بنادي الأسرة، قد أختصر ألف باب للصدفة، للاتي اللامعلوم، للقاء إبداع نقدي، كان سيحصل أو لا يحصل بيني و بين أستاذي نجيب العوفي.

 

عبدالعزيز أزغاي: الظاهر والخافي

وفي شهادة بعنوان: المواطن نجيب العوفي لمن لا يعرفه قال عبد العزيز ازغاي أن هذا الأخير واحد من السلالة الأدبية طيبة الذكر، التي تمنحك كل الطمأنينة، التي تقتضيها نعمة الإنصات، و أنت تشاركه خبزه و ماءه المعلومين، رغم ما قد تضيفه عليه صرامته الواضحة في إبداء الرأي، مهما كان جاريا، و رغم ما قد تعطيه نظرته الثاقبة الصارمة، و المتجهمة أحيانا من انطباع بكونه انطوائيا، صموتا، ناريا، لا ينقصه إلا الرصاص. لكنه استدراك بالقول أن العوفي غالبا ما ينزع عنه قميص الأستاذ و الناقد الأدبي و صاحب المعجم المخثر المطرز بدقة متناهية، و أنت تجالسه في أمكنته المفضلة بالعاصفة، تلك الأماكن التي تنتشر فيها الخضرة و يجري فيها الماء و لا تغطيه أسقف، مهما علاها من مجاز، قد تحول في أوقات معلومة، دون تعقب فراشات المعني و جموح الخيال.

 

 

مليكة العاصمي: ابن مليلية

ومما جاء في كلمة مليكة العاصمي: أوسعوا المليلية و لا بن مليلية أوسعوا لمدينة تعشقناها دائما، و كابدنا فراقها و فراق أهلها(...) هو نفسه نجيب العوفي القادم من مليلية أو الأتي بها، بكل حمولتها التاريخية و الوجدانية الممتلكة لانخطافاتنا. ذلك المثقف الإنسان، الصديق، أولئك الأشخاص و الكائنات في واحد (....) ليس مهما أن نتعرف على المثقف عن قرب. يكفيك منه ما يمنحك إياه و يقدمه لك على بعد المسافة، غير أن العطاء عندما يكون متميزا من ناحية، يحث أحيانا دون هوادة عن صاحبه للتعرف عليه و ملاقاته ستكشف معه راحة التعرف على مثقف دمث، خلوق، نبيل، قابل أن يفتح معك أفاق الفعل في حدوده العملية.

 

المحتفى به نجيب العوفي: محطات التجربة

أما المحتفى به العوفي في فتناول في كلمته المحطات الثلاث الأساسية في تجربته الأدبية:

-   محطة اكتشاف سحر اللغة العربية في سن الطفولة و خلال الدراسة الابتدائية و الثانوية بتطوان.

-   مرحلة تجريب الكتابة و الاستسلام لغويتها و محاولة اكتشاف الذات و المجتمع و لذة الخلق و الإبداع.

-  محطة الانتقال من الكتابة القصصية إلى الكتابة النقدية الواصفة مع طلائع السبعينات الساخنة.

و انتهى الحفل التكريمي، باهداء باقة ورد و محفظة تذكار من نادي الأسرة لنجيب العوفي، و توقيع بعض إصداراته القيمة.

 


 

مـجـلـة الأنـبـاء: العدد الثالث - الاثنين فاتح ماي 2000

مراسلة المجلة: بديعة خداد:

"الناقد النجيب" هكذا يحلو للبعض أن يلقبه، وكما جاء في الكلمة التقديمية لأحمد جواد، المشرف على تنظيم لقاءات نادي الأسرة، فإن نجيب العوفي لم يتقبل بسهولة فكرة تكريمه، وهو الذي رفض عدة اقتراحات مماثلة.

من هو نجيب العوفي؟

ولد نجيب العوفي في مدينة مليلية ببني وليشك إقليم الناظور سنة 1948، ابتدأ مساره الأدبي بمدينة تطوان في أوائل الستينات، ويمكن تقسيم حياته الأدبية إلى ثلاث محطات: محطة اكتشاف اللغة.  ومحطة تجريب الكتابة ومحاولة اكتشاف الذات والمجتمع، وكتابة القصة في الستينات. ومحطة الانتقال من الكتابة القصصية إلى الكتابة النقدية في مطلع السبعينات. وقد توزعت كتاباته وقراءاته بين القصة والشعر والرواية.

صدرت له عدة كتب أولها: "درجة الوعي في الكتابة" (1980)، "جدل القراءة" (1983)، "مقاربة الواقع في القصة القصيرة المغربية، من التأسيس إلى التجنيس" (1987)، "ظواهر نصية" (1992)، "مساءلة الحداثة" (1996)"عوالم سردية، متخيل القصة والرواية بين المغرب والشرق" (2000).

 

مجلة الأنباء: بشير القمري، ييبكي متأثرا بصداقة عمرها 27 سنة

وإذا كان لا بد من رصد لحظات هذا الاحتفاء، فإن أقواها وأصدقها كانت تلك التي بكى فيها الناقد بشير قمري وهو يلقي كلمته باسم المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب، تأثر أذهل الحضور، ودموع غير متوقعة فاجأت الجميع، فوراء هذا التأثر وهذه الدموع صداقة عمرها 27  سنة، تجمع بين الناقدين، شاركا فيها بعضهما البعض أزمات القلق واليتم والمغامرة والإكتشاف

 

 

مجلة الأنباء: محمد الهرادي

أربع شهادات تخللت أجواء هذا اللقاء، أولها كانت للروائي محمد الهرادي (شهادة ألقاها نيابة عنه الناقد عبد الله الدخيسي)، الذي يعتبره  كاتبا وباحثا جاء إلى الساحة الثقافية عاريا بدون سند... يخوض معركته بواسطة الكلمة

 

مجلة الأنباء: ربيعة ريحان: جميل أن تنبني الصداقات في حضرة الإبداع

أما القاصة ربيعة ريحان التي يعتبرها نجيب العوفي نغما جميلا انضاف إلى معزوفة السرد القصصي، فقد جاءت شهادتها تحمل عبق ذكرى أول لقاء بينها وبين المحتفى به، لقاء انبثقت منه صداقة بين إبداعين، بغض النظر عن جنس بعضهما البعض، فالأجملهنا أن تنبني الصداقات في حضرة الإبداع

 

 

مجلة الأنباء: عبد العزيز ازغاي

صوت آخر أدلى بشهادة ذات نفحة شعرية حول الناقد نجيب العوفي، إنه صوت الشاعر عبد العزيز أزغاي الذي يمثل جيل ما بعد جيل العوفي، شهادة ناوشها بعض "الهزل الأبيض"، وصاحبها يقر بأن أجمل ما يجمع بينه وبين العوفي هي تلك الطفولات النائية في غياب الذاكرة.

 

مجلة الأنباء: مليكة العاصمينجيب العوفي الإبن المليلي الطالع من البحر

وباسم بيت الشعر، حضرت الشاعرة مليكة العاصمي، وشاركت بشهادة تحدثت فيها عن نجيب العوفي كباحث متميز في ثقافته وتمثلاته للمشاهد والأحداث والتراكمات، متوقفة عند أول محطاته الحياتية: مدينة مليلية التي ولد فيها ونشأ فيها، فهو "الإبن المليلي الطالع من البحر.

 

مجلة الأنباء: وكان لا بد أن يفسح المجال لنجيب العوفي أن يسمع صوته، لأن أي حفل تكريمي لا يمكن أن يكتمل إلا بالاستماع إلى صوت المحتفى به.

كلمة العوفي جاءت مزيجا بين ابتهاج بهذا التكريم الذي يعتبره تكريما للأدب والكلمة، وهي فرصة يرى فيها المرء ذاته مجلوة في مرايا الآخرين. وبين عتاب على "زمن طاحن لم يترك للأدب والأدباء سوى فسحة هامشية، إلا من شحنات رمزية تشد من أزرنا الروحي"، وبين تعريف مقتضب بتجربته كأديب وناقد ينتمي إلى جيل تمتد جذوره إلى أواسط الستينات، وهو جيل يعرفه البعض بجيل الظمأ، والبعض الآخر بجيل القدر، ، لأنه جيل حلم كثيرا وعانى كثيرا من أجل قضايا كبيرة وكثيرة، جيل يرجع إليه الفضل في تأسيس المشروع الحداثي الأدبي.

 

 

Escribir un comentario


Código de seguridad
Refescar