|
|
|
|
المحتوى |
تكريم الصحفي خالد مشبال
|
بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، نظمت الجمعية المغربية للصحافة والإعلام بالقصر الكبير، يوم السبت 2 يونيو 2007، حفل تكريم لقيدوم الصحافة المغربية ، خالد مشبال، شارك فيه ممثلو الصحافة الوطنية، وكتاب ومبدعون من مختلف جهات المغرب. وفيما يلي الشهادة التي شارك بها نجيب العوفي في الحفل التكريمي، تحت عنوان: خالد مشبال/عابر أجيال: |
|
خالد مشبال، اسم على مسمى. فكلمة خالد تعني، كما هو بديه، الديمومة والاستمرار مع تغاقب الليل والنهار. واسم خالد مشبال سيظل منقوشا في الذاكرة المغربية، عابرا للأجيال والأزمنة، كما عبرت تجربته الأدبية والإعلامية أجيالا وأزمنة خلت، منذ طلائع الستينات من القرن الفارط إلى الآن، إلى طلائع الألفية الثالثة بلا كلال أو ملال.
وكلمة مشيال تعني، في التخريج اللغوي، صيغة مبالغة لشبل، وهو ابن الأسد، أو الأسد في في مقتيل فتوته وقوته. وفي خالد مشبال شجاعة الأسد وعزته وأنفته وكبرياؤه، وذلك ما جعله صامدا جلدا مهما عصفت في وجهه العواصف، وانزرعت في طريقه الكمائن والألغامز، والشجرة المثمرة، كما نعلم، تكون دوما عرضة للحجارة.
خالد مشبال اسم مغربي، خالد وماجد وصامد، يختصر مرحلة كاملة وحافلة من تاريخ المغرب المعاصر، بكل تفاعلاتها وتحولاتها، بكل تناقضاتها ومفارقاتها، بكل مدها وجزرها، يختصرها من خلال تاريخه الخاص، أي من خلال مسيرته الأدبية والإعلامية الظافرة الباهرة، التي كانت شاهدة على تاريخ المغرب المعاصر، بقدر ما كانت راصدة لهذا التاريخ في أدق خلجاته ونبضاته.
اسم خالد، اسم مفرد بصيغة الجمع، وإن شئت قلت بصيغة جمع الجموع، فهو صحفي وأديب وكاتب ومذيع ومعد برامج إذاعية، أو بالأحرى واضع استراتيجيات إذاعية وإعلامية ذكية وباهرة، وطابع وناشر، ومن المؤسسين الأوائل البواسل لمشروع الحداثة الإعلامية في المغرب.
إنه محارب إعلامي من طراز رفيع، أبلى البلاء الحسن في ميدان الإعلام، لكنه أيضا محارب بالحمولة الدلالية المعجمية لهذه الكلمة. ذلك أن خال مشبال نزح إلى مصر أوائل الخمسينات انتجاعا للعلم والأدب. وقد كانت مصر في هذه الحقبة قبلة وكعبة لأنظار العرب من كل فج. وقد قطع خالد مشبال معظم الطريق إلى مصر مشيا على الأقدام.
ويروي المقاوم الشمالي المعروف، ابن القصر الكبير، الهاشمي الطود، وقد كان مدربا ومؤطرا حربيا في الديار المصرية لإعداد خلايا مقاومة الاستعمار في الشمال الأفريقي. يروي هذا المقاوم العصامي العريق، أن خالد مشبال كان من ضمن الأفراد الذين أشرف على تدريبهم القتالي والحربي، وكان من ضمن هؤلاء أيضا الجزائري هواري بومدين، وتقرر بعد ذلك نقل هذه الدورات التدريبية إلى العراق، لكن خالد مشبال بقي في مصر. ويستطرد الهاشمي الطود، لو تأتي لخالد أن يرحل معنا إلى العراق، لكان الأن من كبار الجنرالات.
لكن رياح الأقدار تهب في الغالب في اتجاهات أخرى غير الاتجاهات المعلومة والمرسومة. وهكذا، فلئن لم يتسن ويسنح لخالد مشبال أن يستكمل مشواره القتالي والحربي ليخوض ميدان الوغى، ويشمر عن ساعد المقاومة والنضال، فقد شاءت له تقادير الأقدار أن يحارب في ميدان آخر، ويخوض غماره بكل اقتدار، وهو ميدان الثقافة والإعلام الذي أبلى فيه خالد البلاء الحسن، وتألق فيه اسمه أجمل ما يكون التألق، وساهم من خلاله في تمويج صوت المغرب عبر الأثير، ليلامس آذانا دانية وقاصية، ويجتذب هواها وإعجابها.
ولنبدأ بهذا الإعلامي الأثيري، الأثير إلى خالد مشبال.
وشخصيا تعرفت إلى خالد مشبال في غضون الستينات من القرن الفارط، من خلال صوته المتميز الدافيء الشجي، الآتي من إذاعة طنجة، عروس الشمال. ولا تذكر إذاعة طنجة إلا ويذكر معها، ذكر تلازم وتلاحم، اسم خالد مشبال وثلة كريمة من المذيعين والمذيعات الرواد، الذين أشرف على اقتناصهم وتكوينهم وصقل مواهبهم وأصواتهم، حتى شكلوا كورالا إذاعيا رائعا لعقود من الزمان، منها أشرف تاليا على اقتناص وتكوين أصوات إذاعية شابة، أصبح لها حضور بهي في المشهد الإعلامي المغربي بعامة، وبذلك كان خالد مشبال صلة وصل بين الأجيال، يربط الخلف بالسلف، ويجمع بين السابقين واللاحقين. كان خالد بعبارة عابرا للأجيال، ومتجددا متوقدا مع الأيام، وصاحب ورش إعلامي دائب الحرية، دائم الابتكار.
كان التحاقه بإذاعة طنجة وفي فترة مبكرة، ربيعا لهذه الإذاعة، ودما جديدا سرى في أوردتها. وقد تبدى ذلك في البرامج الجميلة والمتنوعة والجديدة، التي كانت له اليد الطولى في ابتكارها وإبداعها، بتظافر وتآزر مع أسرة الإذاعة التي كانت بالفعل أسرة حميمة بمعنى الكلمة، يشد بعضها بعضا، ويكمل بعضها بعضا كبنيان مرصوص.
وهكذا شاعت وذاعت إذاعة طنجة عبر الأثير، وشدت إليها الأسماع والأفئدة من كل المشارب والمدارك والأذواق، وأضحت برامجها الليلية نجمة للساهرين، تسرق النوم من جفونهم وتوقعهم في أسر هواها. ومزية أخرى لهذه الإذاعة، وهي انفتاحها على الجالية المغربية في الخارج، وتصاديها مع شؤونها وشجونها، وانفتاحها أيضا علىأصوات عربية في المشرق العربي، وإرهافها السمع لبوحها، مجسرة بذلك الفجوة بين المغرب والمشرق. وكان وراء ذلك كله، جندي مجهول ومعلوم في الآن ذاته، اسمه خالد مشبال.
والرجل سباق إلى أكثر مكرمة، فمن الإعلام السمعي ترحل مواهبه إلى الإعلام الثقافي المكتوب، فيصدر صحفا راقية الشكل والمحتوى، متنوعة الأبواب والأعمدة والاهتمامات، يجد فيها كل قارئ ضالته وبغيته، تتخللها أعمدة جميلة لخالد تشي بأدبيته ورشاقة أسلوبه،. وتعتبر صحيفة "الشمال" إحدى وأحدث الفتوحات الصحفية لخالد مشبال، والتي تؤكد أيضا هذه الغيرة الوطنية على الشمال، الذي ظل لعقود طويلة نسيا منسيا. لكن تبقى أهم مكرمة سبق إليها خالد مشبال في مجال الإعلامي الثقافي المكتوب، في رأيي، هي إصداره وإنشاؤه كتاب الشهر، سلسلة شراع، عن وكالة شراع لخدمات الإعلام والاتصال، التي أسسها بعصاميته واجتهاده في منتصف السبعينات من القرن الفارط، وهي في حدود علمي، أول سلسلة شهرية ثقافية تصدر في المغرب، وقد حظيت بإقبال كبير من طرف القراء نظرا لقيمتها وأهميتها من جهة، وليسر سعرها من جهة ثانية (عشرة دراهم).
كانت هذه السلسلة بحق ضربة "معلم" لخالد مشبال. كان من مقاصدها وأهدافها النبيلة تقريب الكتاب والثقافة من المواطن.
ولم يمض سوى حين حتى حذا حذوه آخرون وسرقوا منه المشعل، فتواترت السلاسل الشهرية، وطوت شراع شراعها، وتوارت عن الأنظار مأسوفا عليها.
كثيرة هي مواهب خالد مشبال، وكثيرة مواقفه السياسية والنضالية العتيدة والعنيدة، التي لا تأخذه فيها لومة لائم، مما سبب له كثيرا من الأتعاب والمشاكل، لكن معدن الرجل يبقى دائما أصيلا وصلبا، لا تنال منه الحذثان.
وقد أتيح لي أن أعجم عود الرجل وأتعرف عليه عن كثب، خلال زيارة ثقافية مشتركة إلى باريس أواسط التسعينات، للمشاركة في الأسبوع الثقافي المغربي بدار المغرب، كان من ضمن المشاركين بن سالم حميش، ونجيب أقصبي، وعبدالحق الزروالي، ومصطفى الرميد من حزب العدالة والتنمية. وطيلة الرحلة الباريسية كنا رفيقين متلازمين وعلى موجة واحدة، ربما لأننا شماليان، أو ربما لأن الطيور على أشكالها تقع. وفي الأسفار كما هو معلوم، يمكن اختبار معادن الأشخاص والأصدقاء، واستجلاء خفاياهم ونواياهم. وقد وجدت في خالد مشبال، طوال المدة التي رافقته فيها، إنسانا دمثا وبسيطا ولطيف المعشر، واكتشفت فيه خصالا وخلالا إنسانية أصيلة، تجمع بين صلابة الشخصية وسلامة الطباع والمزاج، كما اكتشفت فيه ذاكرة موشومة بتجارب الحياة وآثارها، مترعة بالمعلومات الثقافية والأدبية والفنية الدقيقة، مما لا يتوفر عليه كبار المثقفين والأساتذة الجامعيين... كل هذا كنت أكتشفه فيه وأنهله، والغليون لا يفارق فمه، ورائحة تبغ "الأمستردام" تعبق حولنا، ونحن سائران في شوارع وساحات باريس، أو جالسان في مقاهيها الجميلة.
هنا اكتشفت سر هذه الفتوحات والإبداعات الإعلامية والثقافية التى اجترحها وابتكرها خالد مشبال.
فالرجل متمرس ومحنك، صال وجال في البلاد، وتقلب في السراء والضراء، واستفاد أيما استفادة من إقامته في الديار المصرية، هذا إلى جانب موهبته الطبيعية وعصاميته واجتهاده، كل ذلك شد عضده الأدبي، وقوى من عزيمته وشكيمته، وأنبت نباته الحسن في ميدان الثقافة والإعلام، وجعله كما سيجعله اسما خالدا عابرا للأجيال.
وما هذه الكلمات، من قبل ومن بعد، سوى شهادة صغيرة في حق رجل كبير وإعلامي قدير، نتمنى له عمرا مديدا وعطاء موصولا.
وإذاكانت النفوس كبارا *** تعبت في مرادها الأجسام